واصف جوهرية
مقدمة 20
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
المذكرات الجوهرية كمرآة لحداثة القدس العثمانية سليم تماري تظهر القدس العثمانية في معظم الكتابات التاريخية المعاصرة كمدينة إقليمية في أطراف الدولة العثمانية تتميز بنسيج اجتماعي طائفي ومتقوقع . ويصر كثير من هؤلاء المؤلفين على مطابقة الوعي القومي والاثني بحدود الانقسامات الطائفية التي كانت ترسم معالم المجموعات السكانية داخل البلدة القديمة . « 1 » ويرافق هذا التقسيم الاثني - الطائفي عادة تقسيم تجمعات المدينة داخل السور في أحياء المسلمين والنصارى والأرمن واليهود . في هذه الرؤية الضيقة نرى أربع حارات منغلقة تعزز حدودها آليات التضامن الطائفي والتخصص المهني ، والمدارس والتكايا ، والطقوس والاحتفالات الدينية ، وفوق ذلك كله تحريم التزاوج والتصاهر خارج الدين والطائفة . وفي هذا المنظار فإن التعايش والحراك الاجتماعي المحدود بين هذه الطوائف بقيا محصورين في آليات السوق ( التجارة ) والتزاور الاجتماعي الشكلي حتى انتهاء الحقبة العثمانية . وتبدو حداثة المدينة من هذا المنظار كنتيجة لانهيار النظام العثماني أمام الثالوث الغربي : التغلغل الاقتصادي الأوروبي ، والهجرة الصهيونية ، ومشاريع التحديث الإداري التي أدخلتها سلطات الانتداب البريطانية . تقع أهمية مذكرات واصف جوهرية في أنها تصور حياة يومية جماعية للقدس تبلورت في هذا النموذج التقليدي للمدينة ، وتسلط الأضواء على رؤية مغايرة بديلة . هذه الرؤية تتمحور حول مظاهر الحداثة المرتكزة على ديناميات داخلية في المدينة العثمانية في بلاد الشام . كما أن جوهرية يصور لنا وتيرة اجتماعية عاصرها شخصيا داخل أسوار المدينة ، تتسم بالحراك الاجتماعي والتداخل والتفاعل بين أفراد وعائلات مختلف الطوائف ، لا تنعكس في كتابات معظم المؤرخين للمدينة . بل على العكس فهو يورد القصة تلو الأخرى ( راجع مثلا رواية فصل الزوار المسلمين عن المسيحيين من قبل الشرطة البريطانية عند مدخل الحرم ) التي تظهر - من دون قصد من الكاتب - أن نظام الأحياء الطائفية - كتقسيم إداري - هو في الواقع من نتائج سياسات الانتداب البريطاني على فلسطين ، ولا يرجع إلى تقسيمات " عضوية " من الفترة العثمانية كما هو شائع . إن استعمال تعبير " الهجين " في وصف المشهد الثقافي لمدينة القدس خلال فترة الحرب العظمى الأولى يحمل في طياته عدة مشكلات . فالاستعمال الحالي للهجينية السائد في العلوم الاجتماعية المعاصرة يشير تحديدا إلى انتشار الهويات ذات الإثنية المتعددة القاطنة في الحيز الحضري نفسه ، وإلى تبلور تعابير ثقافية مركبة في نمط الحياة واللباس والطبخ والاستعمالات اللغوية . وهي ، في الأساس ، هجانة ثقافية نشاهدها اليوم في المدن الكبرى في الدول الصناعية وما بعد الصناعية التي اجتاحتها هجرات جماعية واسعة من العالم الثالث ، الأمر الذي نجم عنه تبلور هويات ثقافية ثنائية . أمّا في القدس العثمانية قبل الحرب العظمى فنرى - في الرؤية الجوهرية لها - أنها تشكل وعيا طائفيا محليا ، في صراع أحيانا وفي تآلف أحيانا أخرى مع التيار العروبي القومي ، ومع النهضة الوطنية الفلسطينية في مجابهة الحركة الصهيونية .
--> ( 1 ) ظهرت هذه المقدمة في صيغة سابقة في مجلة الدراسات الفلسطينية ، العدد 44 ، خريف 2000 ، صفحة 69 - 96 .